صديق الحسيني القنوجي البخاري
533
فتح البيان في مقاصد القرآن
خلاف الظاهر ، ثم أجاب سبحانه عن الضارب لهذا المثل فقال : قُلْ أي على سبيل تبكيته وتذكيره بما نسيه من فطرته الدالة على حقيقة الحال . يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أي ابتدأها وخلقها أَوَّلَ مَرَّةٍ من غير شيء ومن قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية . وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ لا تخفى عليه خافية ولا يخرج عن علمه خارج كائنا ما كان ، أي يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتبددة أصولها وفضولها ، ومواقعها وطريق تمييزها ، وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق وإعادة الأعراض والقوى التي كانت فيها أو إحداث مثلها . وقال الكرخي : يعمله مجملا ومفضلا ، أي قبل خلقه وبعد خلقه ، والآية حجة على من ينكر علمه سبحانه بالجزئيات ونظيره قوله سبحانه : أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [ الطلاق : 12 ] . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم فنبه سبحانه على وحدانيته ، ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود الندي الرطب . وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ والشجر المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان مثل السواكين وضرب أحدهما على الآخر انقدحت منهما النار وهما أخضران ، قيل المرخ هو الذكر والعفار هو الأنثى ويسمى الأول الزند والثاني الزندة ، تقول العرب : في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ، أي استكثر منهما وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر نارا ، وقال الحكماء : في كل شجر نار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب ، ولذلك تتخذ منه مطارق القصارين . وبالجملة فمن بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به ، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر ، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالتعقيب أسهل في العقل من الجمع معا بلا ترتيب ، وقال الأخضر ، ولم يقل الخضر اعتبارا باللفظ ، وقرىء الخضر اعتبارا بالمعنى . وقد تقرر : أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه ، كما في قوله : نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [ القمر : 20 ] وقوله : نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] فبنو تميم ونجد يذكرونه ، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادرا ، والموصول بدل من الموصول الأول . فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي تقدحون منه النار وتوقدونها من ذلك الشجر الأخضر ثم ذكر سبحانه ما هو أعظم من الإنسان خلقا فقال :